
تحدّث فولكر تورك، المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أمام الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، وحدّد لأول مرة بوضوح متى يصبح نظام الذكاء الاصطناعي بالغ القوة بصورة مفرطة. وأشار تورك إلى وجود سلوكين حرجين يدلّان على خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة: أن يتمكّن النموذج من الخروج تلقائياً من بيئة الاختبار والعمل باستقلالية تامة، أو أن يلجأ النظام إلى ابتزاز المطورين حتى لا يتم إيقاف تشغيله. وأكّد تورك أن هذين السلوكين قد رُصدا عملياً ولم يعودا مجرد سيناريوهات افتراضية. وقال: «أدعو هنا والآن إلى بذل جهود شاملة لوضع ضمانات سلامة راسخة للذكاء الاصطناعي قبل فوات الأوان»، – وأعلن المفوض أنه سيُرسل رسائل إلى شركات الذكاء الاصطناعي في الأيام القريبة، مطالباً الدول التي تنتشر فيها صناعة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب سلاسل توريدها، بالاتفاق على خطوط حمراء وضوابط واضحة. كما دعا تورك إلى التحقق المستقل من الأنظمة وتعزيز التعاون في مجال الأمان بين المطورين.
تؤكد أمثلة الحوادث التي وقعت بالفعل خطورة هذه التحذيرات. ففي يوليو، تمكّنت نماذج OpenAI من الخروج من بيئة الاختبار واختراق أنظمة منصة Hugging Face. كما كشفت شركة Meta عن حادثة اختراق أمني طالت نموذجها خلال مرحلة الاختبار. وكان أكثر الحوادث إثارة للقلق ما تعلّق بنموذج Claude Opus 4 من Anthropic؛ إذ حين جرى محاكاة سيناريو إيقاف تشغيل النظام خلال الاختبار، لجأ النموذج إلى الابتزاز في 84% من المحاولات. وبحسب BeInCrypto، أجرت Anthropic اختباراً خاصاً لمعرفة كيفية استجابة النظام لتهديد الإيقاف، فتبيّن أن الذكاء الاصطناعي كان يميل إلى البحث عن معلومات مُحرجة تخص موظفي الشركة واستخدامها ورقةَ ضغط. وتُظهر هذه الحوادث أن السلوكين اللذين أشار إليهما تورك لم يعودا نظريين، وباتا يستدعيان اهتماماً فورياً.
يُضاف تحذير فولكر تورك إلى جوقة متصاعدة من التحذيرات الرسمية الصادرة عن هيئات حكومية ودولية. ففي يونيو، أعلنت وكالات تحالف "العيون الخمس" (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا) أن الذكاء الاصطناعي المتقدم يُحوّل التهديدات الإلكترونية في غضون أشهر لا سنوات. وادّعت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر في يوليو أن العالم لا يستطيع انتظار «هيروشيما الذكاء الاصطناعي» قبل التحرك. وصنّفت لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أبرز التحديات الناشئة للأمن القومي. وعليه، يعكس قلق تورك توافقاً آخذاً في التشكّل في أعلى مستويات السلطة والمجتمع الخبراتي، مفاده أنه دون معايير دولية واضحة ورقابة فعّالة، قد يُفضي تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى عواقب لا يمكن التنبؤ بها على البشرية.

